.يروى أن سيدة ذميمة الوجه كانت كلما نظرت إلى المرآة وساءها شكلها وكثرة البثور في بشرتها همست لنفسها ممتعضة: ياله من زمن، حتى طلاء المرآة طاله الغش

ومقام هذه الطرفة أن الواقع السياسي المغربي اليوم وارتباطه بالأوضاع الاجتماعية والاقتصادية غالبا ما ينظر إليه عبر نظارات ملونة تكاد تحجب الحقيقة البينة والصادمة وهي أن الأمور على غير مايرام. فرغم انتفاء الخطابات الجامدة خلال الحملة الانتخابية وخفوت حدة الجدالات العقيمة والصاخبة التي ميزت الحملات الانتخابية السابقة إلا أن بروز فريق مما يسمون مجازا محللين سياسيين محايدين من خلال القنوات التلفزية وعلى بعض صفحات الجرائد الورقية والإلكترونية أعطى الانطباع بأن وضعا سياسيا استثنائيا يتشكل في المغرب. صحيح أن حركية الشارع في العديد من الأقطار العربية ومنها المغرب يعتبر تطورا لافتا في المسار السياسي العربي، أفرز نوعا من التجاوب الرسمي في الحالة المغربية أدى إلى انتخابات 25 نونبر وحصول حزب العدالة والتنمية على عدد معتبر من المقاعد مكنه من تشكيل حكومة ائتلافية ولو بمكونات غير متجانسة المذهب والمنطلقات.  وصحيح أن حزب العدالة والتنمية الذي رغم العزوف المستمر لغالبية المغاربة عن المشاركة في العملية الانتخابية استطاع أن يقوي مكانتة لدى الرأي العام مستثمرا في ذلك الشعبية التي يحضى بها أعضاء مكتبه السياسي وفي مقدمتهم رئيس الحكومة وهو  شخصيتة المشاكسة وتلقائيته جذب الاهتمام والمتابعة حتى من الذين لم يعيروا الشأن الانتخابي كبير عناية

لكن اليوم وقد تم تنصيب الحكومة بعد كثير من القيل والقال لابد من مواجهة الحقيقة الماثلة والنظر إلى المرآة بكثير من الواقعية وبعيدا عن الحماس والهياج.  الملفات كثيرة والتحديات لاحدود لها والانتظارات كبيرة. وقد يعتقد البعض واهما أن باستطاعة حكومة السيد عبد الإله بنكيران الاستجابة لجل هذه المطالب بداية من التشغيل وانتهاء بتحسين المؤشرات الماكرو اقتصادية في بضع سنين في الحين الذي ننسى أن هذا التحول السريع الذي ينشده الحالمون لايتأتى إلا في ظروف خاصة تكون درجة التعبأة المجتمعية عالية بما يترتب عن ذلك من رؤية واضحة ومسؤولة لدى أصحاب القرار السياسي وتضحيات جسيمة من لدن الشعب. والحال أن الجميع يطالب بحلول عاجلة ويهدد بالنزول إلى الشارع وممارسة الضغط في حالة عدم الاستجابة الفورية للمطالب

إن أهم ما يميز هذه المرحلة هو الضبابية الشديدة التي تغلف ليس فقط المشهد السياسي المتغير بل حقيقة الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية بتبايناتها وتمظهراتها العديدة، وهي الضبابية التي نتجت عن عقود من تغييب إرادة الشعب وتمكين فئات معينة دون غيرها من التحكم في دواليب السلطة والاقتصاد ما أدى إلى فقدان الثقة الشعبية في مصداقية العمل السياسي وقدرة الهيآت السياسية على اتخاد المبادرة والالتزام بأصول العمل السياسي بعيدا عن خدمة المصالح الشخصية والعائلية والقبيلية

اليوم يبدو البون أكثر شساعة بين الواقع الصعب والرهانات المعقودة لمجابهة هذه التركة الثقيلة من الفساد وغياب الكفاءة خصوصا بعد تصاعد موجة المطالبات بتحقيق العدالة الاجتماعية والتعددية الثقافية والالتزام بالمواثيق الدولية فيما يخص حقوق الإنسان والمرأة والأقليات الدينية والعرقية في مقابل الموقف الذي تبديه فئات عريضة من المجتمع حيال ماتراه مساسا بالمقدسات والثوابت الدينية والثقافية

لا شك أن هذه التحديات قائمة منذ عقود وتفاقمت في السنين الأخيرة في بلدنا العزيز بعد أن شهد بعض التنفيس السياسي، إلا أن الضبابية في قراءة طبيعة التحول وانعكاساته المتنوعة داخل المكونات الاجتماعية زادت حدتها وتفاقم تأثيرها في استنتاج خلاصات غير دقيقة للوضع القائم. ومن مظاهر هذا الفشل هو عدم مواكبة  الإعلام الرسمي والمرئي منه خاصة لدينامية المجتمع وهو المرآة المفترض فيها عكس التباينات والتفاعلات الموجودة بين المكونات السياسية والثقافية داخل المجتمع المغربي

إذا كان من الضروري على الحكومة اليوم مباشرة حل المشاكل العالقة وهي حصيلة ثقيلة جدا كان ولازال لها تأثير سلبي على حياة وكرامة المواطنين، فإنه أيضا من الأهمية بمكان الشروع في إطلاق دينامية جديدة من التواصل بين مؤسسات الدولة وبين الشعب تفسح المجال للمواطنين لمتابعة ما يجري في ربوع هذا البلد دون تدليس أوتزوير، وفهم التحديات التي يواجهها والتي تتطلب منا جميعا تعبأة شاملة. لابد من إحداث هذا التطبيع الإعلامي والسياسي مع المواطنين ورفع الوصاية عنهم من خلال حذف وتغيير البرامج الرديئة والساقطة التي تقدمها مؤسسات إعلامية يعرف الجميع أنها تمول من خزينة الدولة ومن ضرائب المواطنين أنفسهم. إن روح المواطنة لدى المغاربة وإحساسهم بالمسؤولية لا يمكن تعبأتهما إلا في إطار من الصدق والثقة المتبادلة وبإمكان إعلام وطني احترافي بناء هذه الثقة والإسهام في خلق وعي جديد مبني على الاعتزاز بالوطن والتجند لرفع تحدي الإصلاح الذي ننشده جميعا. والله الموفق

Advertisements